Sunday, 19 April 2015

أقسام التشبيه



الفصل الأول
في تعريف التشبيه
قبل أن أبحث عن التشبيه أقول علم البيان لأنّ التشبيه من بعض مبحث علم البيان. والبيان في اللغة: معناه الظهور والوضوح والإفصاح، وما تبيَّن به الشيءُ من الدلالة وغيرها, نقول بان الشيءُ بيانا: اتّضح، فهو بيّن، والجمعُ: أبْيناء. والبيان: الفصاحة واللَّسَن، وكلام بيّن: فصيح، وفلان أبْينُ مِنْ فلانٍ: أفصح وأوضح كلاماً منه. وَوردت كلمةُ "البَيَانِ" بدلالاتها اللغوية في آَيات القرآنِ الكريمِ, ومنْهَا قولُهُ - تَعَالَى-: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾١. وقولُهُ - تَعَالَى -: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾٢. بِهَذَا التعليمِ تَمَيَّزَ الإنسانُ عَنْ كثيرٍ مِن خلقِهِ - تَعَالَى -، وصَارَ ناطقاً مُبِينَاً، يَستطيع أنْ يعبِّر عما يخطُر بخَاطِرِهِ، ويَجُولُ في نفسه من المعانِي، فَيوصِلهَا إلى غيره من البشر، ويتلقّاها الغيرُ عنه، فيتمُّ التفاهُم. ثمّ أَخذت كلمةُ "البيانِ" دلالاتها الاصطلاحيَةَ في ما بعدُ فأصبَح "البيان"
وأما علم البيان هو علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه. ودلالة اللفظ إما على تمام ما وضع له أو على جزئه، أو على خارج عنه، وتسمّى الأول وضعية، وكلّ من الأخيرتين عقلية. وتختص الأولى بالمطابقة و الثانى بالتضمن و الثالثة بالإلتزمية. كما قال الشيخ عبد الرحمن الأحضري
فن البيانِ علمُ ما به عُرِف﴿﴾ تأدية المعنى بِطرق مختلف
وضوحُها واحصره في ثلاثةِ ﴿﴾ تبشبيهٍ او مجازٍ او كناية٣
وهذا علم البيان محصور فى ثلاثة أشياء التشيه والمجاز والكناية، ووجه الحصر أن اعتبار المبالغة فى اثبات المعنى للشيء إما على طريق الاحاق أو الاطلاق، والثانى إما إطلاق الملزوم على الازم أو عكسه وما يبحث فيه عن الأول التشبيه وعن الثانى المجاز وعن الثالث الكناية .
فأما التشبيه في اللغة: هو التمثيل، والمراد التمثيل مطلقاً هنا، يعني: إفادة أن هذا مثل هذا بأي تركيبٍ كان، ولا يُنظر فيه إلى نوعٍ معين، فصار التشبيه اللغوي أعم من التشبيه الاصطلاحي، وهذه قاعدة عامة كما ذكرناها مراراً. وأما اصطلاحاً فعرفه الشيخ عبد الرحمن الأحضري بقوله :
تشبيهنا دلالة على اشتراك ﴿﴾ أمرينِ في معنىً بآلة أتاك٤
وعند السيد أحمد الدمنهرى علم البيان هو مشاركة أمر لأمر في معنى بأدوات معلومة٥. يعنى دلالة مماثلة بين شيئين أو أكثر وارادة اشتراكهما في صفة أو أكثر بإحدى أدوات التشبيه لغرض يريده المتكلّم. والمراد هاهنا  ما لم يكن على وجه الإستعارة التحقيقية ولا الاستعارة بالكناية ولا تجريد فدخل فيه ما يسمى تشبيها بلا خلاف. وفائدته: أن الصفة المراد اثباتها للموصوف، إذا كانت في شيء آخر أظهر، جعل التشبيه بينهما وسيلة لتوضيح الصفة على اشتراك أمرينِ، أي اشتراك أمرٍ لأمرٍ آخر، فالأمر الأول هو المشبه، والأمر الثاني هو المشبه به كما تقول: (زيد كالأسد) حيث تريد اثبات الشجاعة له، إذ هي في (الاسد) أظهر. ومشاركة أمرٍ لأمرٍ آخر بأداة مخصوصة كالكاف ملفوظة أو مقدر ك كانَّ ومثل وشبه ويضاهى.
الفصل الثاني
في تقسيم التشبيه
أركان التشبيه أربعة المشبّه والمشبّه به ووجه الشبه وأداة التشبيه كالكاف ثم إن الركنين الاوّلين: المشبّه والمشبّه به يسميّان بـ(طرفي التشبيه) أو (ركني التشبيه).
١-  تقسيم طرفى التشبيه باعتبار الحسى أو العقلى٦
وطرفا التشبيه على أربعة أقسام:
·         الحسّيان: بأن يكونا مدركين بالحواسّ الخمس الظاهرة التي هي: (الباصرة، السامعة، الذائقة، اللامسة، الشامّة) نحو: خدّك الورد ألّمته الرياح العقليان: بأن لم يكونا مدركين
·         وإما عقليان، اى مدركان بالعقل أوبالحواس الباطنية: وجدانيّاً كان، أم وهمياً، أم ذهنياً، نحو: الجهل موت والعلم حياة الضلال عن الحق كالعمى.
·         المشبه به عقلي والمشبه حسّي، نحو: الطبيب الجهول موت معجّل.
·         المشبه به حسّي والمشبه عقلي، نحو: العلم كالنور يهدي كل من طلبه.
٢- تقسيم طرفى التشبيه باعتبار الإفراد والتركيب
ينقسم (التشبيه) باعتبار طرفيه من حيث الإفراد والتركيب إلى أقسام أربعة:
·         تشبيه مفرد بمفرد
أ ـ  إما مطلقين كانا، نحو: (طالخدّ كالورد).
ب ـ أم مقيّدين، نحو: (العلم في الصغر كالنقش في الحجر).
ج - أم مختلفين، نحو: (ريقه كالشهد المصفّى) أو (الشهد المصفّى مثل ريقه).
·       تشبيه مركّب بمركّب، بأن يكون في كل من الطرفين كيفية حاصلة من عدة أشياء قد تضامت حتى عادت شيئا واحدا كقوله:
كان سهيلاً والنجوم ورائه ﴿﴾  صفوف صلاة قام فيها إمامها
·       تشبيه مفرد بمركّب، كقولها:
أغرّ أبلج تأتمّ الــهداة بـــه  ﴿﴾ كـــأنه علـــــم فــي رأسه نار
·       تشبيه مركّب بمفرد، كقوله:
وأسنانه البيض فــي فـمه  ﴿﴾ تلوح لدى الضحوك كالاقحوان
۳- طرفا التشبيه إذا تعدّدا
وينقسم طرفا التشبيه طرفيه باعتبار تعدّدهما إلى أقسام أربعة:
·       التشبيه الملفوف: بأن يجتمع مشبّهان أو أكثر معاً، ومشبه بهما أو أكثر معاً أيضاً، كقوله:
ليــــــل وبــــــــدر وغصــــن ﴿﴾  شعــــــر ووجـــــــه وقــــــــدّ
·       التشبيه المفروق: بأن يجتمع كل مشبّه مع ما شبّه به، كقوله:
انما النفس كالزجاجة والعلــ  ﴿﴾  ـــــــم سراج وحكمـة الله زيت
·       تشبيه التسوية، بأن يتعدّد المشبّه دون المشبّه به، كقوله:
صــــــدغ الحبيـــب وحـالي  ﴿﴾ كـــــــــلاهمــــــا كــــالليالــــــي
·       تشبيه الجمع، بأن يتعدّد المشبه به دون المشبه، كقوله:
كأنمـــــا يبسم عـــن لـؤلؤ ﴿﴾ مـــــُنضّد أو بَــــــرَد أو اُقـــــاح
٤- التشبيه باعتبار وجه الشبّه
 ووجه شبه هو الوصف الخاص الذي يقصد اشتراك طرفين فيه كالكرم في نحو خليل كحاتم وينقسم التشبيه باعتبار وجه الشبه الى ستة أقسام:
·       تشبيه التمثيل، وهو ما كان وجه الشبه منتزعاً من متعدّد، كقوله:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ﴿﴾ يـــوافي تـــمام الشهر ثم يغيب
فشبّه الانسان في أدواره بالقمر في أطواره: هلالاً، وبدراً، ومحاقاً، فسرعة الفناء هو وجه الشبه المنتزع من أحوال القمر.
·         تشبيه غير التمثيل، وهو ما لم يكن منتزعاً من متعدّد، نحو: (زيد كالاسد) فوجه الشبه الشجاعة وهو لم ينتزع من متعدّد.
·         التشبيه المفصل، وهو ما ذكر فيه وجه الشبه أو ملزومه، كقوله:
يـــده كـــالسحب جـــوداً ﴿﴾ وإذا مــــا جـــاد أغـــرب
وكقوله للكلام الفصيح: (هو كالعسل حلاوة) فإنّ وجه الشبه فيه هو لازم الحلاوة وهو ميل الطبع، لا الحلاوة الّتي هي ملزوم لوجه الشبه.
·         التشبيه المجمل، وهو مالم يذكر فيه وجه الشبه ولا ما يستلزمه، كقوله:
إنما الدنيا كبيت نسجته الــعنكبوت ﴿﴾ ولعمري عن قريب كلّ من فيها يموت
وكقوله: (هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها) أي: متساوون في الشرف.
·       التشبيه القريب المبتذل، وهو ما كان وجه الشبه فيه واضحاً لا يحتاج إلى فكر وتأمل، كتشبيه الجود بالمطر، إلا أن يتصرّف المتكلّم فيه بحيث يخرجه عن الابتذال، كقوله:
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ﴿﴾ إلا بــــوجه لـــيس فـــيه حــياء
فإنّ تشبيه الوجه الحسن بالشمس مبتذل، إلا ان التصرّف فيه بإدخال الحياء أخرجه عن الابتزال.
·       التشبيه البعيد الغريب، وهو ما كان وجه الشبه فيه يحتاج إلى فكر وتأمّل، كقوله:
والشمس كالمــرآة في يكف الاشل ﴿﴾ تمشي على السماء من غير وجل
فإن تموج النور حين طلوع الشمس وتشبيهه بالمرآة في اليد المرتعشة التي تتموّج انعكاساتها، يحتاج إلى فكر وتأمّل.
٥- أقسام تشبيه التمثيل
ثم ان تشبيه التمثيل ينقسم إلى قسمين: الاول ما كان ظاهر الاداة، كقوله تعالى: (مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً) والثاني ما كان خفيّ الأداة، كقولك للمتحيّر: (أراك تقدّم رجلاً وتؤخّر أخرى) إذ الاصل: أراك في تردّدك، كمن يقدّم رجلاً، ثم يؤخّرها مرّة اُخرى.
وبما ذكرناه من أصل المعنى ارتفع الإشكال، بأن المتحيّر لايؤخّر رجلاً أخرى، وانما يؤخّر الرجل التي قدمّها، وظهرت الاداة المحذوفة وهي المكان الّتي اختفت في اللّفظ.
٦- التشبيه باعتبار أداته إلى:
·         التشبيه المرسل وهو ما ذكرت فيه الأداة، كقول الشاعر:
إنما الدنيا كبيتٍ نسجُه من عنكبوت
·       التشبيه المؤكد وهو ما حُذفت منه أداته، نحو: يسجع سجع القمري - وكقول الشاعر:
أنت نجم في رفعة وضياءٍ ﴿﴾ تجتليكَ العيون شرقاً وغرباً
ومن المؤكد: ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه، كقول الشاعر:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ﴿﴾ ذهب الأصيل على لجين الماء
أي أصيل كالذهب على ماء كاللجين.
والمؤكد أوجز، وأبلغ، وأشدّ وقعاً في النفس، أما أنه أوجز فلحذف أداته، وأما أنه أبلغ فلإِيهامه أنّ المشبه عين المشبه به
·       التشبيه البليغ
التشبيه البليغ - ما بلغ درجة القبول لحسنه، أو الطّيّب الحسن فكلما كان وجه الشبه قليل الظهور، يحتاج في إداراكه إلى أعمال الفكر كان ذلك أفعل في النفس: وأدعى إلى تأثرها واهتزازها، لما هو مركوز في الطبع، من أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، والاشتيقاق إليه، ومُعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وموقعه في النفس أجلّ وألطف، وكانت به أضنّ وأشغف، وما أشبه هذا الضرب من المعاني، بالجوهر في الصدف، لا يبرز إلا أن تشُقّهُ عينه، وبالحبيب المتحجِّب لا يُريك وجهه، حتى تستأذن وسبب هذه التسمية: أن ذكر (الطّرفين) فقط، يوهم اتحادهما، وعدم تفاضلهما، فيعلو المشبه إلى مستوى المشبه به، وهذه هي المبالغة في قوة التشبيه والتشبيه البليغ - هو ما حُذفت فيه أداة التشبيه، ووجه الشبه، نحو فاقضو مآربَكم عِجالاً إنّما أعماركم سفرٌ من الأسفار ونحو: عزماتهم قضبٌ وفيض أكفهم سُحُبٌ وبيضُ وجوههم أقمار.







الفصل الثالث
ملخص
            التشبيه هو دلالة مماثلة بين شيئين أو أكثر وارادة اشتراكهما في صفة أو أكثر بإحدى أدوات التشبيه لغرض يريده المتكلّم. وينقسم طرفا التشبيه باعتبار الحسى أو العقلى وباعتبار الإفراد والتركيب إلى تشبيه مفرد بمفرد وتشبيه مركّب بمركّب وتشبيه مفرد بمركّب  وتشبيه مركّب بمفرد و باعتبار تعددهما إلى التشبيه الملفوف والتشبيه المفروق وتشبيه التسويه وتشبيه الجمع. و ينقسم التشبيه باعتبار وجه الشبّه إلى التمثيل وغير التمثيل والمفصل والمجمل والقريب المبتذل والبعيد الغريب. والتشبيه باعتبار أداته إلى التشبيه المرسل و المأكد والبالغ.









المصادر

عبد الرحمن الأحضري. الجوهر المكنون ، الحرمين ، إندونيسسا
حضرات حفنى بك ناصف ومحمد بك دياب والشيخ مصطفى طموم ومحمد افندى عمر وسلطان بك محمد، قواعد اللغة العربية، مكتبة الهداية سورابايا
تلخيص المفتاح . محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب، المكتبة الأنوارية، سارانج رمبانج
أحمد الدمنهري .شرح حلية اللب الومصون الحرمين، إندونيسسا
أحمد الهاشمي . جواهر البلاغة


١ال عمران : ١٣٤
٢ الرحمن : ١—٤
٣ عبد الرحمن الأحضري : الجوهر المكنون -  الحرمين - إندونيسسا- ص١٣٢
٤  المصدر السابق، ص١٣٤
٥ السيد أحمد الدمنهرى: جواهر البلاغة ص ۱٩٨
٦  المصدر السابق، ص۲۰۱

No comments:

Post a Comment